السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )

439

تقويم الايمان وشرحه كشف الحقائق للعلوي ( تعليقات النوري )

عقلي - بالفعل أو بالقوّة ، والذي بالقوّة فصل هو النفس الإنسانية والذي بالفعل هو فصل أو خاصّة للنفس الفلكية . ثمّ إنّ كون المعقولات بالقوّة نظرا إلى النفوس الإنسانية ما عليه الحكماء المشّاءون حيث ذهب الإشراقيّون إلى أنّ معقولاتها ثابتة لها بالفعل دائما لكن الأبدان الظلمانية حجاب جوهر نفسها عن إدراكها ؛ فإذا ارتاضت بالمجاهدات النفسانية فقد أشرقت بنور ربّها فيرى في ذاتها ما فيها من السناء الأبهى والبهاء الأقدس الأسنى والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربّه والذي خبث لا يخرج إلّا بكذا . ثمّ إنّ قوله - دام ظلّه - : « في فطرتها الأولى » لو كان عبارة عن مرتبة ذات الشيء بما هي هي يشمل الجواهر المفارقة حيث إنّها قابلة قبولا ذاتيا لا زمانيا ولا دهريا وإلّا لانحصر في النفوس . ثمّ إنّ تلك الجواهر المجرّدة القابلة للصفات بالذات تكون هذه الصفات فيها لا عنها بل فيها عن غيرها . ثمّ إنّ قوله - دام ظلّه - : « في فطرتها الأولى » يناسب الإمكان الذاتي لتلك الجواهر كما أنّ قوله : « في الفطرة الثانية » يناسب استنادها إلى باريها تعالى ؛ لأنّ الإمكان الذاتي وإن كان من مراتب المجعول لكنّه سابق على تأثير الجاعل فيها وعلّة لتعلّق تأثيره بها . « 1 »

--> ( 1 ) . ح : قوله : « كمالات بالقوّة » يشمل الأنفس الفلكية والجواهر المقدّسة الإنسية لتشاركهما في قوّة الكمالات في فطرتهما الأولى في الجملة ؛ وذلك حيث إنّه لا يخلو إمّا أن يكون بالقوّة لها ما سوى الإدراك التعقّلي من التخيّلات والحركات والأوضاع أم لا . فعلى الأوّل هو الأوّل وعلى الثاني هو الآخر حسب ما إليه الإشارة أيضا في كلام رئيس مشّائية الإسلام بقوله : « الفلك يعقل هذه الأشياء ثمّ يتخيّلها ، ونحن نتخيّل الشيء أوّلا ونعقله » انتهى كلامه مناديا على أنّ معقولاته بالفعل لعدم اكتسابها من التخيّلات لتقدّمها عليها ؛ فلا يجري فيها التجدّد والقوّة بخلاف معقولات الأنفس الإنسية . وبهذا ظهر الفرق بين فصل الفلك وبين فصل الإنسان - أعني الناطق - بحسب فعلية المعقولات في أحدهما بالفعل وفي الأخرى بالقوّة ومع ذلك يكون ما عداها من الأوضاع والحركات والفيوض والإشراقات بالقوّة لعدم انتهاء الغاية ؛ فلذا تسمع الرئيس تارة أخرى انّه يقول في تعاليقه : لمّا كانت النفس الفلكية متحرّكة نحو الكمال الأوّل وهو المفارق ولم يكن ذلك الكمال ما لم يبلغ بالحركة صار كلّ حدّ ينتهي إليه في الحركة علّة لأن يطلب حدّا آخر وكذلك إلى ما لا نهاية . ثمّ اعلم أنّ كون معقولات الأنفس الإنسانية بالقوّة فممّا عليه الرؤساء المشّائية ، وأمّا مسير أفلاطن الإلهي وعساكره الإشراقية فإلى أنّها مركوزة بالفعل فيها وإنّما ذهولها عنها لتعلّقها بهذه الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها [ النساء / 75 ] . فإذا استصقلت مرآتها بصقالة الرياضات وخلصت عن ظلمة الكدورات فقد أشرقت أرض بواطنها بنور ربّها [ اقتباس من : الزمر / 69 ] وبرز ما كان مكمونا فيها على تفاوت مراتب استعداداتها ، البلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربّه والذي خبث لا يخرج الانكدام . إن تدبّرت في كلام المصنّف - دام بقائه - لعلمت أنّه يصحّ أن يكون قوله : « في فطرتها الأولى » كفاية عن مرتبة الذات أيضا فيشمل العقول الفعّالة لأن لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف / 49 ] . وبالجملة : انّ العوالي المقدّسة وإن لم يحم حومها حمامة القوّة والاستعداد لتقدّسها عن الكدر والموادّ على ما إليه الإشارة بقوله : « هي بالفعل في الفطرة الأولى » ولكنّها مع ذلك مغمورة في قوّة الذات والصفات وإلّا لكانت واجبات بالذوات ؛ فيكون بالقوّة من وجه وبالفعل من وجه . فلذا تسمع رئيس الصناعة انّه يقول تارة انّ لها معنى ما بالقوّة وأخرى انّه ليس لها معنى ما بالقوّة . وبالجملة : انّ كلّ وجود وكلّ جمال وجود رشح فائض من جنابه القيّومي وخير صادر عن جوده الربوبي ؛ فيكون هي تحلّيها بصفات الكمال وتزيّنها بسمات الجمال هالكة نظرا إليها حقّة بالقياس إلى مبدعة على ما إليه الإشارة الإلهية بقوله الكريم : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص / 88 ] . وقد تلخّص من تضاعيف الكلام أنّ قوله - دام ظلّه - : « في فطرتها الأولى » يناسب الإمكان الذاتي الذي لتلك الجواهر القادسة أيضا كما انّ قوله : « في الفطرة الثانية » يناسب استنادها إلى جاعلها القيّوم الواجب بالذات ؛ وذلك حيث إنّ الأوّل علّة للثاني حيث ما سمعت أنّه من الصفات السابقة على وجود الممكن على هذا الترتيب : « انّ الشيء أمكن ، فاحتاج ، فأوجب ، فوجب ، فأوجد ، فوجد » فتفطّن هذه الدقيقة الحكمية فإنّها يليق بالتفطّن . وبالجملة : انّ الفطرة الأولى المذكورة سابقا للإشارة بالذات إلى العقول القادسة هي الفطرة الثانية هاهنا مقيسة إلى إمكانها الذاتي [ الذي ] هو العلّة المحوجة الذي يشابه الفطرة الأولى لتقدّمه ؛ وإنّما قلنا : « يناسب » لأنّ كلامه - دام ظلّه - هاهنا ليس إلّا في الأنفس الإنسانية المقابلة لتلك الجواهر المقدّسة النورانية ؛ فتكون الإشارة فيه إلى ما يعتري لما يقابلها من الأنوار المقدّسة على سبيل العرض والتتبّع من غير لزوم تداخل القسمين . فقد سطع أنّ هذه الفقرة إشارة إلى الأنفس الإنسية بالذات وإلى خواصّ العقول النورية بالعرض ، وكون إمكان ذواتها علّة محوجة إلى جاعلها .